محمد حسين هيكل

221

حياة محمد ( ص )

والمنافس الوحيد القويّ للفرس ، تجعل المرأة من الرجل في مكونة دون مكانة المرأة العربية من الرجل حتى البادية . كانت المرأة في شرائع الروم يومئذ معتبرة متاعا مملوكا للرجل يتصرف فيه كيف يشاء ، ويملك من أمره ما يريد حتى الحياة والموت . كانت تعامل معاملة الرق سواء ، لا فارق بينها وبينه في نظر الشرع الروماني . كانت مملوكة لأبيها ، ثم لزوجها ، ثم لابنها ، وكان ملكهم إيّاها تامّا كملكهم الرقيق وكملكهم الحيوان والجماد . وكان ينظر إلى المرأة على أنها مثار الشهوة ، وعلى أنها لا سلطان لها على أنوثتها الحيوانية ، حتى لم يكن بدّ من اصطناع نطاق العفّة ومن التمسك بذلك قرونا متوالية ، بعد هذا العصر الذي نصف فيه أحوال جزيرة العرب . ومع أن السيّد المسيح عليه السلام كان برّا بالنساء عطوفا عليهن . حتى لقد قال حين أظهر بعض رجاله العجب لحسن معاملته مريم المجدلية : « من لم يكن منكم ذا خطيئة ليرمها بحجر » . مع هذا ظلّت أوروبا المسيحية ، كما كانت أوروبا الوثنية من قبل ، تزدري المرأة شرّ ازدراء . ولم تكن تنظر إلى صلاتها بالرجل على أنها صلات الذكورة والأنوثة وكفى ، بل على أنها صلة عبودية ورقّ ومهانة مما طوّع لبعض المتكلمين في عصور مختلفة أن يتساءلوا : أللمرأة روح وأنها ستحاسب ، أم أنها كالحيوان لا روح لها ولا تعرف عند اللّه حسابا وليس لها في ملكوت اللّه متسع ! محمد والإصلاح الاجتماعي وكان محمد يقدر ، بما أوحي إليه ، أن لا صلاح للجماعة إلّا بتعاون الرجل والمرأة ، باعتبار أنهما أخوان متضامنين تضامن مودّة ورحمة ، وأن للنساء مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجل عليهن درجة . لكن الأخذ في ذلك بالطفرة لم يكن أمرا ميسورا ، ومهما يكن من إيمان العرب الذين اتّبعوه به ، فإن أخذهم باليسير من الأمر وعدم تعريضهم للحرج ، أدعى إلى مزيد إيمانهم ، وإلى ازدياد أنصاره . وكذلك كان الشأن في كل إصلاح اجتماعي فرضه اللّه على المسلمين . بل كذلك كان الشأن في فروض الدين ذاتها ، في الصلاة والصوم والزكاة والحج . وكذلك كان الشأن في المحرمات كالخمر والميسر ولحم الخنزير وما إليها . وقد بدأ محمد ، في شأن الإصلاح الاجتماعي ، وتقرير صلات ما بين الرجل والمرأة ، بالمثل يضربه فيما بينه وبين أزواجه مما كان المسلمون جميعا يرونه . فالحجاب لم يفرض على نساء النبي إلى ما قبيل غزوة الأحزاب كما لم يفرض تحديد الزوجات بأربع مع شرط العدل إلى ما بعد غزوة الأحزاب ، بل إلى ما بعد غزوة خيبر بأكثر من سنة . فكيف يصل النبيّ إلى توطيد علاقات الرجل والمرأة على أساس صالح ، تمهيدا لهذه المساواة التي انتهى الإسلام إليها مساواة تجعل للنساء مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة ؟ الإسلام ينهي عن التبرج كانت صلات الرجل والمرأة عند المسلمين ، كما كانت عند سائر العرب ، على ما وصفنا ، مقصورة على صلات الذكورة والأنوثة . وكان التبرّج وإبداء الزينة بصورة تدعو إلى تحرّش بالنساء ، كلما وجدوا الفرصة لذلك بعض ما يذكي عواطف الجنس عند الرجل والمرأة على سواء ، وما يحول لذلك دون التقريب بينهما تقريبا أساسه المعنى الإنساني السامي ، وأساسه الاشتراك الروحي في العبودية للّه وحده . وقد نشأ عن قيام طرائف اليهود والمنافقين في المدينة ، وخصومتهم لمحمد وللمسلمين أن بلغ تحرّش هذه الطوائف بالمسلمات حدا إلى حصار أدّى إلى حصار بني قينقاع كما رأيت ، وإلى إيصال الأذى للمسلمات ، مما كانت تنشأ عنه مشاكل لا ضرورة لها . فلو أنّ المسلمات لم يبدين زينتهن أثناء خروجهن ، لكان ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ، ولو فّر